كنا نعرف بأن جسدك سيخذل روحك إلى أن ينال منك ، وكنت تعرف ذلك مثلنا ، لكننا كنا ولا زلنا نعرف بأنك لن تفنى كالمخلوقات التي ما ولدت إلا لكي تفنى ، فأنت حاضر حاضر حتى "في حضرة غيابك" .سنكون أنانيين فنقول: ليس المهم أين يرقد الجسد ، فوق التراب أم تحته ، فالأهم بالنسبة لشاعر مثلك هو سؤال الفناء ، هل ستفنى أم ستظل تجول على شواطئ عكا ويافا وحيفا وتحت زيتون الجليل وفي كل مساحات عالمك العربي.. أجل عالمك الذي أعلنت انتماءك إليه منذ بداياتك حين صدحت (سجل .. أنا عربي).يوم أبعدوك عن أرضك ، فوجئوا بأنك ازددت التصاقا بها ، وأن روحك ظلت تجوب ترابها ورمال شواطئها وحجارة بيوتها وشذى بياراتها وأزهار لوزها ، وأن جسدك وروحك لا يتواجدان معا في مكان واحد دائما.يوم أنشدت (عابرون في كلام عابر) تذكروا الحقيقة التي يعرفونها ولا يريدون الإفصاح عنها ، لأنها تعني النهاية ، لذا علا صياحهم واحتجاجاتهم ضدك ، مع انهم لم يحتجوا ولم يصيحوا ألما منذ تأسيس دولتهم: إنه سلاح أشعارك ، وسلطة معانيها التي امتدت لتطال أعماقهم المظلمة.يوم استضافك الفرنسيون في فضائيتهم قبل أكثر من عشر سنوات ، وضعت فلسطين مثل أيقونة على طاولات العالم ، وأثرت غيظهم فهاجموك وشتموا مستضيفيك ، لكنك حققت لقضيتك - عبر تلك الحوارية - ما لم تحققه التنظيمات والأحزاب والحركات المدججة بالأسلحة الأخوية الفتاكة.وفي رحلة وداعك الأخير لحيفا ، حيث الأرض التي باركتك وهجعت في حضنها مثل طفل أحرقه الحنين إلى حضن أمه ، قامت الدنيا عليك ، لأن لا أحد يعلم بما أسرت لك به روحك ، بعد أن تلقت إشارة موتك قبل حدوثها بكثير ، فاقتادتك إلى ذلك الحضن الدافئ ، بعد أن استمهلت الموت الذي تهيب من هالة روحك.ماذا نقول للملايين الذين يعثرون في قصائدك على ما لا يعثرون عليه في صحوهم ونومهم وكل يومياتهم؟ ماذا نقول لحقول النرجس التي استيقظت في جبال الكرمل من دون أن تسمع ترويدتك الصباحية التي تتفتح أزهارها معها؟ هل كنت تهدهد تلك الأزهار وتهيئها لاستقبال خبر موتك حين كتبت "ورد أقل" ثم عدت وأنشدت لها "مأساة النرجس"؟ وماذا نقول لأطفالنا وشبابنا وصبايانا في فلسطين؟ أولئك الذين أشعلوا الشموع كي يستقبلوا جثمانك ، بعد أن أضأت لهم الطريق في أشعارك؟ لن ينفعك حديثنا عنك ، فأنت تحلق الآن في عوالم أخرى لم تطأها من قبل ، لكنك حلقت في حياتك ، حلقت بعيدا وتجولت في عوالم لا يعرفها سواك ومن أحسنوا قراءتك. أخالك تعرف طريقك في الآخرة ، مثلما عرفتها في الدنيا ، وأرى أن لا شيء سيحرقك حيث أنت الآن إلا حنينك إلى قرية البروة التي شهقت أرضها وارتعشت حزنا عليك ، وأطلت حجارة بيوتها المدمرة لأول مرة كي تراك قبل أن يدفنوك. لكن خوف المحتلين من عودتك ميتا لم يكن أقل من خوفهم من عودتك حيا ، لذا لم يسمحوا لتراب قريتك باستردادك ، ولم يأذنوا لأبناء شعبك بأن يشيدوا مزارا لشاعر عاشق ، غاب عن أرضه قهرا ، وعاش في منافيه دهرا ، ثم عاد في كفن، jamalnaji@gmail.com Date : 15-08-2008 |